Last News :

كيف يتحقق النصر على الدولة الإسلامية / داعش «»  قلق روسي من تسليح سعودي نوعي للمعارضة السورية «»  تقير حلقة نقاش / التحولات على المسار ين الإيراني والتركي، وتداعياتها على منطقة الخليج «»  اقتراح لصيغة موضوع الجهاد في المنهج المدرسي «»  الحرب الأيديولوجية لصالح الحصين رحمه الله «»  باحث سعودي: الموقف الروسي حيال سوريا مرتبك لأنه يتعاطى مع نظام مرتبك «»  MINUTES OF THE XII SESSION OF THE SECRETARIAT OF THE CONGRESS OF LEADERS OF WORLD AND TRADITIONAL RELIGIONS «»  التحولات على المسارين التركي والإيراني وتداعياتها على منطقة الخليج «»  «هَزْ المسمار» نظرية شيوعية لتغيير آسيا الوسطى تاريخ سري لحرية المرأة في العهد السوفياتي «»  ( ملخص لمحاضرة معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين رحمه الله تعالى) عن مصطلح القومية Nationalism «» 

( ملخص لمحاضرة معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين رحمه الله تعالى)

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه :

1.       حين وجدت في أوروبا – قبل مئتي سنة – الأيديولوجية التي عرفت بـ “Nationalism” كان لها طوال القرنين الماضيين أثر شامل وعميق على الحياة العامة والخاصة في عالم الغرب أولاً ثم في بقية العالم، أو كما تعبر “Encyclopedia Britannica” من الشائع الاعتراف أن هذه الفكرة ساهمت في صياغة الحياة العامة والخاصة ، وأنها واحدة من أكبر العوامل ، إن لم تكن أكبرها التي شكلت التاريخ الحديث “وقالت” : إنها تعد سبباً أساسياً في نشوب الحرب العالمية الأولى والثانية وكثير من حروب العصر الحاضر ، وعبرت عن ذلك “Encyclopedia Americana”  بأن الـ“Nationalism”  بوصفها  كقوة سياسة أدت دوراً مهماً عبر العالم ، فخلال القرنين الماضيين كانت الوسيلة الأسهل والأكثر فعالية في يد المنظمات والقادة للمجموعات القومية لإيجاد الدعم والحماسة والتأثير”.

2.     في أوروبا ، ثم في غيرها من البلدان ، يتغير تصور مفهوم الــ Nationalism بتغير الأساس الفكري الذي يؤسس عليه ، والقيم الأخلاقية التي يقتضيها ، فوجدت نظريتان سياسيتان عرفت إحداهما بنظرية الإرادة والأخرى بنظرية العوامل الوضعية ، وكانت السيادة في الغالب للثانية ، وبما أن العوامل الوضعية كالاتحاد في العرق أو اللغة أو التاريخ أو الدين ، وفي والوضع الجغرافي تختلف بين البلدان ، فقد تبع ذلك الاختلاف في تصور هذا المفهوم بين بلد وآخر ، وكما أن القيم التي أسس عليها هذا المفهوم اختلفت بسبب الاختلاف السائد في الاتجاه : هل هو اتجاه ليبرالي أو محافظ ؟ .

3.     عندما ارتفعت وتيرة الاتصال الثقافي بين أقطار الخلافة العثمانية وأوربا في آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين كان من الطبيعي أن تكون إيديولوجية الــ Nationalism هي أول ما يحظى باهتمام أبناء تلك الأقطار ، وأن يسندوا إليها الفجوة الكبيرة في التقدم المادي والمعرفي  بين أوربا وأقطار الخلافة العثمانية وإن يتمنوا تلك الأيديولوجية لبلادهم .

أما فيما يتعلق بالأتراك ، فلم يكونوا على لبس من أمرهم فتبنوا المفهوم المؤسس على العوامل الوضعية فأسسوا المفهوم على أساس الاتحاد في العرق الطوراني ، والتقاليد المشتركة للقبائل التركية ، والاتحاد في اللغة التركية، بالإضافة إلى الوضع الجغرافي .

أما فيما يتعلق بالعرب فلم يكن الأمر أمامهم بتلك السهولة بل كان موجباً للحيرة ، بيد أن المنظرين الأوائل لهذه الأيديولوجية في العالم العربي انتهوا إلى اختيار مفهوم مبني على مريج بين النظرتين : نظرية الإرادة ونظرية العوامل الوضعية ؛ فعٌرفوا العربي بأنه :” من يتكلم العربية وأراد أن يكون عربياً “.

4.     بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أجهضت أهداف العرب في الثورة العربية ، وشتُت العالُم العربيُ في كيانات منفصلة ، تفصل بينهما حدود مصطنعة تحت سلطان الإمبريالية الأوربية ؛ فعلى سبيل المثال شُتت الإقليم المسمى بـ” الشام ” طوال العصور إلى أربع كيانات مستقلة سياسياً سميت بسورياً ,  ولبنان , والأردن , وفلسطين ، وكانت خطة القوى الإمبريالية المضي في الشرذمة والتشتيت ؛ بحيث تشكل كيانات أصغر تسمى دولة الدروز ودولة العلويين ، إلا أن تطرف الخطة حال دون تمثيلها على أرض الواقع .

واستسلم أبناء تلك الكيانات المصطنعة إلى الامر الواقع ، وبدأ هذا الواقع يترسخ في تصوراتهم على أنه حقيقيه من حقائق الحياة ، ونمت المشاعر والعواطف حوله ، وصار هذا الوضع الواقعي الجديد يحكم القرار السياسي داخل الكيانات الجديدة وصار التمايز بينها مثل ، ما بين دولة وأخرى أو أبلغ منه من حيث تصور الــNationalism والمشاعر والعواطف السياسية اتجاهه .

وفي صياغة تصور لهذا المفهوم نشأت حركة فكرية بدأت في الغالب من أوساط الأقاليم الدينية، وارتفعت الأصوات بتأييدها وجهدت القوى الإمبريالية في تثبيتها، ونعني بهذه الفكرة صياغة المفهوم على أساس من أوضاع تلك الأقطار قبل وجود التاريخ العربي والإسلامي , والقفز قروناً متطاولة للوصول إلى الفرعونية والفينيقية والآشورية .. إلخ، وكان للفرعونية خصوصاً قبول واسع وتأثير عميق على الحياة السياسية والثقافية في مصر.

ولقد ظهرت تلك الكيانات العربية دولاً مستقلة بعضها عن بعض ومنفصلة بحدودها وجنسياتها.

كانت مصر دولة ملكية دستورية تحت نوع من السلطة الاستعمارية الإنجليزية بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهاء الحرب بسبع سنوات قامت الثورة المصرية فتغير مفهوم الوطنية (الوطنية هي المفردة التي شاعت في العالم العربي مقابلاً لمفردة Nationalism فتغير نظام الحكم وفلسفته، ورموز الوطنية : كالٌعلُم , والنشيد الوطني , وشعار الدولة، وكان من الطبيعي أن يتغير جذرياً في التعليم منهج التربية الوطنية ومحتويات هذا المنهج ومقرارته وكتبه المدرسية.

 5.     في تصور مفهوم (الوطنية) الاصطلاح اللغوي العربي الذي اختير وشاع ليكون مقابلاً للاصطلاح (Nationalism) المستعمل خارج العالم العربي، يلاحظ من السرد السابق أن هذا التصور يختلف باختلاف الزمان والمكان وهذا ظاهر من خلال الإطلاع على تاريخ العالم وجغرافيته، من المحتمل أن لا توجد دولة تتفق مع دولة أخرى في تصور هذا المفهوم، ولكن من المؤكد أنه يوجد اختلاف في هذا التصور بين دولة وأخرى، ولعل من أوضح الأمثلة لإثبات هذا الاختلاف أخذ دولتين متجاورتين هما إيطاليا وسويسرا.

فمفهوم الوطنية الايطالية Italy Nationalism يستند إلى الوضع الجغرافي لإيطاليا التي لا تشترك مع جيرانها في حدود إلا في جزء صغير نسبياً , وإلى الاتحاد العرقي ، واللغة ، والتاريخ العريق ذي التأثير البالغ المتطاول على العالم القديم ، ومن الطبيعي أن يختلف هذا المفهوم عن مثيله في جارتها سويسرا حيث تشترك في جميع حدودها مع جيرانها من الدول ، وتضم أربعة أعراق ، وأربع لغات قومية وثلاث لغات رسمية

ومثل الولايات المتحدة الأمريكية مع اليابان ؛ فالوضع الجغرافي مختلفٍ بصفة واضحة بين البلدين مثل اختلافهما في التاريخ أو في مستوى التوافق والانسجام اللغوي والديني وفي التقاليد , كما يظهر الاختلاف في القيم الأخلاقية التي يقتضيها مفهوم الوطنية (Nationalism) في كل من البلدين، يعد الكميكاز Kamikaze غريباً في الولايات المتحدة غربة وثيقة الحقوق Bill of rights أو إعلان الاستقلال Declaration of independence  أو القيم التي رسخها الآباء المؤسسون غربتها في اليابان.

ويظهر الأمر واضحاُ وجلياً عند تأمل تاريخ ( الوطنية ) العربية ، وتصورها في عقول أبناء العالم العربي، مقارنةً بمفهوم الوطنية(Nationalism) خارج الوطن العربي.

لقد كانت ولادة فكرة (الوطنية) العربية مصاحبة لولادة فكرة الوطنية التركية , بل كانت ولادتهما من رحم واحدة، ولكن كما أن الأتراك لم يكن لديهم لبس ولا حيرة في أمرهم فاختاروا المفهوم السائد في أوروبا وهو المفهوم المؤسس على العوامل الوضعية، فلم يكن لديهم لبس أو حيرة في اختيار المصطلحات الدالة  فاختاروا المصطلحات ( ملتي , ملت ,  مليت جي , ملي بيرق , ملي مارش )

 (Nation, Nationalism, National Anthem, national Flag, Nationalist) وما يقابلها في الدول الأخرى، لكنهم اختاروا اصطلاح (وطنَ بَشلَك) مقابلاً لاصطلاح .Nationality

أما بالنسبة إلى البلاد العربية فنواجه تعقيداً محرجاً ؛ إذ تتسم المصطلحات في هذا المجال بالقلق فقد اختبر مصطلح “أمة”  تعريبة لكلمةNation  وكلمة وطنية أو قومية مقابلاً لكلمةNationalism وكلمة وطني مقابلاً لكلمةNational و Nationalist كما ُعرٌبوا أحياناً كلمةNational وكلمة Nationalist بعبارة قومي وفي الغالب اختاروا اصطلاح العلم الوطني مقابلاً لـNational Flag  وعبارة النشيد الوطني مقابلNational Anthem

وزاد الأمر تعقيداً أن لفظ (وطنية) عُرٌب به لفظPatriotism  ولفظ وطني ُعرٌب به لفظ Patriot و    Patriotic  و أن لفظ جنسية (عرقية) عرب به لفظ Nationality.

من الطبيعي في مجال فكرة  (الوطنية) أن يعبر غير العربي بـ (الأمة الفرنسية) و (القومية الفرنسية) والإيطالي (الأمة الإيطالية) و (القومية الإيطالية) مثلاً .

ولكن ليس من السهل على العربي وهو يتحدث عن الوطنية الكويتية أو الوطنية القطرية أو الوطنية البحرينية، أن ترد على لسانه مهما كان حماسة للوطنية وارتفع صوته بها أن ترد على لسانه (الأمة) القطرية أو البحرينية أو الكويتية أو (القومية) القطرية أو البحرينية أو الكويتية.

وهذا ييسر لنا فهم الاختلاف الجوهري في تصور الوطنية بين البلدان العربية والبلدان الأخرى خارج العالم العربي.

إن اختيار جذر وطن مقابلاً لجذر Nation الدال على المجموعة البشرية، أوجد لدى الفرد في البلاد العربية (الدول العربية) مفهوماً غير محدد للوطنية يتمحور حول (المكان) في حين أن اختيار جذر Nation  في الدول الأخرى هيأ لأن يتمحور مفهومNationalism على (الإنسان) ومن هنا كان الاختلاف الأساس في التصور بين العرب وغيرهم من الدول الأخرى (قارن الألفاظ: عصبة الأمم، أو الأمم المتحدة ، مع جامعة الدول العربية).

 6.     إذا كان مفهوم (الوطنية) في العالم ليس واحداً ويختلف بين دولة وأخرى، و إذا كان لإيديولوجية (الوطنية) الأثر الشامل والعميق على الحياة العامة والخاصة على النحو الموضح أعلاه، وإذا كان لتصور هذه الإيديولوجية ومفهومها أبلغ الأثر على الوحدة الوطنية , والوعي بها , والغيرة عليها , والعمل من أجلها , أو ضدها فإن هذا يبرر القول أن من أهم المهمات العناية بصياغة تصور مفهوم واضح ودقيق وصحيح (للوطنية السعودية)؛ بحيث ينبني على هذا المفهوم أساساً , ويتكون منه وعليه رأي عام، وتبني عليه وزارة التربية والتعليم عليه منهج التربية الوطنية ومقرراته وتصاغ بناءً عليه الكتب المدرسية لمادة التربية الوطنية، وهذا هو ما تهدف إليه هذه الورقة.

7.     لضمان اختيار مفهوم للوطنية السعودية أقرب إلى الوضوح والدقة والصحة ينبغي قبل ذلك إيجاد مفهوم مجرد مثالي للوطنية ليكون مقياساً للمقارنة، تُقوم وتقاس به صحة ووضوح أي مفهوم آخر للوطنية، لذا أقترح أن يبنى هذا المفهوم المجرد على متطلباًت ضرورية تستفاد من الوعي بإيجابيات إيديولوجيةً الوطنية Nationalism وسلبياتها في تحارب العالم.

ويكون هذا المفهوم المثالي المجرد مقياساً يتم وفقاً له تقييم بدائل الاقتراحات التي تقدم من المهتمين بصياغة مفهوم (الوطنية السعودية) لكي يمكن اختيار الصيغة الأفضل من بين هذه البدائل أو اختيار صياغة من مجموعها.

واقترح أن يستجيب هذا المفهوم المجرد لسبعة متطلبات أساسية :

     أ‌-    أن يكون عقلانياً، لا بمعنى فقط أن لا يخالف العقل، بل أن يكون العقل يقتضيه، وحيث أن لفظ العقل يُساء استعمالٌه كثيراً فيُطلق ويعُنى به التصور الذهني، فإن المقصود بهذا اللفظ هنا الأمر المبني على المقاييس المنطقية المتفق عليها بين الناس الأسوياء (العقلاء(

     ب‌-  أن يكون واقعياً، لا بمعنى أن لا يخالف الواقع فقط ، وإنما أن يكون الواقع يقتضيه.

     ت‌-  أن يكون قابلاً للأدلجة، بناء على أن الفكرة تبلغ قمة تأثيرها عندما تتحول إيديولوجية (عقيدة) والتعبير عنها إلى شعار.

     ث‌-  أن يتوافر له الانسجام بين عناصره وبينه وبين البيئة الخارجية، لأن ضعف الانسجام يعني الاختلاف والتناقض في داخل الفكرة بما ينتهي إلى هدمها.

     ج‌-     أن يتصف بالثبات والاستقرار.

     ح‌-   أن يتصف بالاعتدال والتوسط فلا يسمح بالتوقع والانكفاء على الذاتية و لا يكون قابلاً للتحلل والذوبان وضعف الهوية , وتآكلها , أو انعدامها.

     خ‌-   أن يتوافر له الحصانة أو المناعة في مواجهة الأمراض الاجتماعية التي تصاحب غالباً إيديولوجية الوطنية مثل الشوفيونية أو العنصرية أو الخوف الوهمي من غيرنا أو العدوانية ضد المهاجرين.

 8.      مع الأسف فإن الفكر الغربي بخاصة، والفكر العالمي بعامة، يلاحظ على إيديولوجية الوطنيةNationalism نقاط ضعف شائعة تبعد بها عن المفهوم المجرد المقترح.

ومن ذلك الغموض، جاء في ” Encyclopedia Americana ” بسبب أن الوطنية   Nationalism تظهر في ثياب مختلفة وبسبب أن هذا المصطلح يستعمل لأغراض مختلفة صار مفهوماً غامضاً ” ، ” إن أي تحليل لــ Nationalist يواجه بالتعقيد بسبب استحالة فصل دوره عن أدوار العوامل الأخرى السياسية والثقافية والاقتصادية “.

ومن نقاط الضعف، قصور صفة الواقعية جاء في الموسوعة نفسها ” في الحقيقة إن Nationalismيمكن أن تستخدم من خلال الدعاية أو التعليم لحمل الجمهور على تبين اتجاه على أساس معين بتشجيع أو حتى إيجاد شعور وطني National Consciousness  مبني على أساس أوهام Myths  بوجود هوية عامة واختلاف عن الآخر“.

ومن هذه النقاط سلبيات خطة تتعلق بالتحررية والاستقرار جاء في الموسوعة نفسها ” أن الـNationalism  قد سرعت سقوط الشيوعية ،  ولكن العلاقة بينها وبين التحررية موضوع جدل، ففي الوقت نفسه ظهرت الـ   Nationalism  مصدراً قوياً للمعارضة الدولية، وعاملاً أساسياً Factor Major لعدم الاستقرار المحلي والدولي“

 9.       المفهوم الذي اقترحته ( للوطنية السعودية )، ويبدو لي منطبقاً تماماً مع المفهوم المثالي المجرد الموضح في فقرة “7 يصاغ هكذا ( و أرجو أن يقرأه القارئ بالمقارنة مع المفهوم النموذجي المجرد)

الارتباط بالجماعة الكبرى، التي يقيم أفرادها إقامة دائمة على أرض المملكة العربية السعودية الحالية ويخضعون لسلطان قانوني واحد ، ارتباطاُ يوجب الوفاء بالقيم الوطنية الآتية :

     أ‌-  الأخوة ، قال تعالى: { إنما المؤمنون إخوة }، وفي الحديث الشريف ” المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، كفى بالمرء إثماً أن يحقر أخاه المسلم، المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، الإيمان ها هنا”، وأشار إلى صدره.

     ب‌- الموالاة ، قال تعالى :[ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض].

     ج‌- التواصي بالحق , والصبر , والمرحمة , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى : {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ( كنتم خير أُمتة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)

     د‌-  المساواة، قال تعالى :{ الله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض }، ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر و أُنثى بعضكم من بعض)

ولا يوجد تعبير أدق ولا أبلغ من المساواة بالتعبير ” بعضكم من بعض “، على أن هذه المساواة في المجتمع المسلم ليست مساواة التماثل بل مساواة التكامل، المساواة التي تنفي حمية الجاهلية وعبية الجاهلية ، ودعوى الجاهلية، والتمييزDiscrimination   على أساس العرق , أو النسب , أو الإقليم , أو القبيلة , أو الجنس , أو اللون.

     هـ  –  الشورى ، قال تعالى : [ الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ] ، [ وشاورهم في الأمر ].

     و –  التكافل والتساند في الحديث الشريف [ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ]

     ز- التواد ولتراحم، في الحديث الشريف [ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ] [ لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا ] وقال تعالى :[ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر و الميسر ] ، [ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ، إن الشيطان ينزع بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبيناً ] ، [ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ]ُ.

     ح ـ الاعتدال، فلا مجال للإمعوية ” لا يكن أحدكم إمعة يقول إن صلح الناس صلحت ، وإن فسدوا فسدت ” ولا قابلية أو ميل الفرد إلى التحلل من مسئوليته في الجماعة ومن الالتحام بها، فارتباط المسلم بالجماعة لا يعني ذوبانه فيها (انعدام شخصيته) وفي الوقت نفسه لا يعني تشجيع انفراديته، كما تذهب بعض المذاهب الفكرية الغربية.

     ط – لزوم الجماعة وعدم الشذوذ عنها أو الخلاف عليها أو من باب أولى الخروج عليها ، والآيات والأحاديث في هذي أكثر من أن تحصى ، مثل : [واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا] ، [ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ] ، [إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شي ]

وجدت الفرق داخل الجماعة المسلمة على مر التاريخ، لأن الفرقة التي استحقت من النبي صلى الله عليه وسلم شنيع الذم، وشديد التحذير منها هي فرقة الخوارج الذين وصفهم صلى الله عليه وسلم بأنهم ” يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية “.

     ي – الطاعة بالمعروف لولي الأمر في الجماعة، قال تعالى : [ و أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ] ، [ ولو ردوه إلى الرسول و إلى  أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ] ،  وفي ضمن ذلك الطاعة للقانون السائد في الجماعة ، قال تعالى : [ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن].

و في الحديث الصحيح عن الحكم بن عمرو الغفاري [ إنما الطاعة في المعروف ] والقيد بــ (المعروف) للتفريق بين الطاعة المطلقة التي هي من خصائص الألوهية ، والطاعة المقيدة التي يمكن أن تكون للمخلوق.

ك ـ النصيحة، في الحديث الشريف : الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ” والمقصود بالنصيحة هنا في الأحوال الأربعة ليست الموعظة ــ وإن كانت الموعظة أحياناً من أفراد النصيحة ـ وإنما المقصود سلامة القلب من الغش وانطواؤه على الإخلاص والصدق والنية الجازمة على فعل الخير وتحصيله، ومكافحة الشر وتفويته.

ومن موجبات ذلك الجهاد لحماية البلاد (الجماعة والأرض) ورعاية مصلحتها بالنية والقول والعمل بما يتضمن الجهاد بالفكر والوقت والمال والنفس.

10.  يلاحظ بتكرار تأمل هذه الصياغة لمفهوم الوطنية السعودية استجابتها للواقع المتمثل في خصائص بلادنا (الانسان والمكان) فلا يمكن إغفال ما اختصت به بلادنا حقيقة أنها منبع الإسلام ومركزه، يتجه إليها في صلواتهم ربع سكان الكرة الأرضية وتضم أقدس مقدساتهم، ويشعرون بالولاء لها والغيرة عليها شعوراً يصل لدى كثير منهم  إلى مستوى يفوق مثيله من الشعور تجاه أوطانهم التي نشؤوا فيها ويحملون جنسيتها.

وفي الوقت الذي حافظ فيه المسلمون في كل العصور وفي كل الأقطار ، في ظل سلطانهم، على مبدأ التعايش مع الديانات المخالفة للإسلام بصورة من التسامح لا يبلغ مستواها بلد آخر في العصر الحديث، فمنحوهم حرية العبادة وحموا معابدهم وأعطوهم الحق في أن يكون لهم قوانينهم الخاصة ومحاكمهم الخاصة ، وأن يستثنوا من القانون الجنائي الإسلامي العام، بمعيار أن كك فعل لا يعد في ديانتهم جريمة فلا يعد جريمة في حقهم و إن كان جريمة في حق المسلمين، في الوقت نفسه حافظ المسلمون إطاعة لأمر دينهم في كل العصور على استثناء الأرض التي تشمل ما كان يعرف في القرون الأولى من تاريخ الإسلام بمكة و مخاليفها (توابعها الإدارية)، والمدينة ومخاليفها واليمامة ومخاليفها، أي حدود المملكة العربية السعودية الحالية تقريباً، فهذا الجزء من الأرض حرم على الأديان الأخرى المخالفة للإسلام الإقامة الدائمة فيه سواء قفي صورة شخص ، أو معبد أو مركز دعوة .

واضح أنه كما أن التزام المسلمين في كل العصور وفي كل أقطارهم بالقاعدة المشار إليها آنفاً، كان يقتضيه المنطق والعدل ، فإن استثناء هذا الجزء من الأرض (مركز الإسلام) على النحو المشار إليه هو أيضاً ما يقتضيه المنطق والعدل .نتيجة لما سبق صار سكان (مركز الإسلام) كل مسلمين واقعاً وشرعاً وصار من المتعذر أن تمنح جنسيتها لغير المسلمين.

هؤلاء المسلمون كلهم يقبلون (ولا يقبلون غير ذلك) أن يكون الإسلام ومرجعيته القرآن الكريم والسنة الصحيحة  هو منهج حياتهم العامة والخاصة، ولذلك حرص النظام الأساسي للحكم (قانون القوانين في المملكة) على النص الصريح على حقيقة أن القرآن والسنة  حاكمان على النظام نفسه وعلى كل الأنظمة والإجراءات السارية في المملكة.

لهذا فإن صياغة هذه الحقائق هو ما يقتضيه (العقل والواقع) وهذا هو السبب في أن يكون محور المفهوم الإنسان والمكان (الجماعة والأرض التي يقيم عليها أفرادها إقامة دائمة).

 11.  بتأمل صياغة المفهوم المقترح يتبين توافقها تماماً مع متطلبات الأنموذج المجرد الذي أفترض أن يكون مقياساً لقرب صياغة المفهوم من الوضوح والدقة والصحة .

فاقتضاء العقل والواقع لهذا المفهوم قد تم إيضاحه.

وفيها يتعلق بالقابلية للأدلجة فهو مفهوم ليس قابلاً للأدلجة فقط بل هو جز من العقيدة التي حرص مؤلفو متون العقائد المسلمون طوال التاريخ على أن تتضمنها تلك المتون .

كما يظهر انسجام هذا المفهوم بين عناصره، وبينه وبين البيئة الخارجة، حيث أن الإسلام دين اجتماعي : فالإسلام يتطلب أن يكون المسلم دائماً في جماعة تبدأ من الوحدة الاجتماعية الصغيرة (الأسرة) وتنتهي بجماعة المسلمين المحكومة بسلطان قانوني واحد، والروابط بين أفراد الوحدات الاجتماعية ، صغرت أم كبرت ، من نوع واحد , وإنما تختلف بالقوة والكثافة بحسب الأحوال ، وكل القيم التي تظهر بها هذه الروابط هي من الأوامر الأساسية للقرآن والسنة، والانسجام بينها ظاهر بالتأمل فلا يوجد بينها إلى تناقض أو اختلاف.

أما صفة الثبات والاستقرار وعدم القابلية للتغيير فظاهرة من معرفة المسلمين في كل عصورهم وفي مختلف ظروفهم وأحوالهم أن هذا المفهوم هو التزام أساسي فرضه الإسلام.

أما صفتي الاعتدال . والحصانة من الأمراض الاجتماعية الشائعة والناشئة عن التصور الخاطئ للوطنية فظاهر من دلالة النصوص التي ذكرت عند سرد القيم الأخلاقية التي يقتضيها المفهوم.

 12. ملخص ما سبق :

أ‌-  أن مفهوم الوطنية Nationalism من أعظم المؤثرات، إن لم يكن أعظمها، على الحياة في العصر الحاضر.

ب – أن هذا المفهوم يختلف باختلاف الدول والأمم.

ج‌- أن مفهوم الوطنية في العالم العربي يختلف من حيث الأساس والجوهر عن مفاهيم الوطنية في العالم خارج العالم العربي.

د – من الخطورة البالغة أن لا يوجد لدى أي بلد مفهوم واضح للوطنية يتكون على أساس رأي عام . ويكون أساساً لتعليم مادة التربية الوطنية في المدارس .

هـ – المقدمات السابقة تنتج أهمية وجود صياغة لمفهوم واضح ودقيق وصحيح وسليم للوطنية السعودية.

و – لبناء ، وتقييم  وقياس مدى صحة وسلامة أي مفهوم مقترح وسلامة لا بد من وجود مقياس في شكل أنموذج مجرد للمفهوم المثالي ، يتصور أن لا يكون عليه خلاف.

هذا المفهوم المجرد لصلاحيته بوصفه مقياساً في هذا المجال، لا بد أن يستجيب للمتطلبات الآتية:

أن يكون عقلانياً، وواقعياً، وقابلاً للأدلجة ـ مراعياً أن المفهوم يبلغ ذروة تأثيره إذا كان عقيدة وصار التعبير عنه شعاراً، وأن يتوفر له الانسجام في الداخل ومع الخارج، وأن يتصف بالثبات والاستقرار، وألا يخرج عن مجال الوسطية والاعتدال، وأن تتحقق له الحصانة والمناعة ضد الأمراض الاجتماعية التي تنتجها عادة المفاهيم الأخرى في مجاله.

ز- من البدهي أنه ليستجيب المفهوم المقترح لأي وطنية لمتطلبات الأنموذج المجرد، الموضح في الفقرة السابقة لا بد أن تثتضيه الخصائص الواقعية للبلد.

وخصائص الأرض أوجبت عقلاً ومنطقاً أن يكون المقيمون فيها إقامة دائمة مسلمين .

والمسلم ليكون مسلماً لا بد أن يقبل أن يكون الإسلام منهجاً شاملاً للحياة وأن يكون مرجعه في تفسير الإسلام القرآن والسنة الصحيحة، والإسلام بهذا المعنى عقيدة ثابتة، لا مجال للتغيير فيها مهما اختلف الزمان أو المكان أو الظروف، وهي التي تحدد ما يقبله الإسلام ويتبناه، وما يرفضه وينفيه وهي التي تعين القيم الأخلاقية التي يقتضيها مفهوم الوطنية السعودية.

ح ـ بناء على ما سبق يقترح صياغة مفهوم الوطنية السعودية على هذا النحو :

تعني الوطنية السعودية ارتباط الفرد بالجماعة الكبرى ، التي يقيم أفرادها على أرض المملكة العربية السعودية ويخضعون لسلطان قانوني واحد، ارتباطاً يقتضي الالتزام نية ، وقولاً، وعملاً، بالقيم الخلقية الآتية:

الأخوة والموالاة ، والتواصي بالحق وبالصبر وبالرحمة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمساواة ـ مساواة التكامل (التي تنفي حمية الجاهلية , عبية الجاهلية , ودعوى الجاهلية) والشورى، والتكافل ، والتواد والتراحم، والاعتدال (المنافي للإمًعَويٌة والفردية والرافض للتقوقع والأنانية والتفريط غير المبرر في الهوية) ولزوم الجماعة وعدم الشذوذ عنها أو الخلاف عليها ، والطاعة بالمعروف لولي الأمر و للقانون السائد، والنصية بمعنى سلامة القلب من الغش وانطواؤه على الإخلاص والصدق والعزم على الخير وتحصيله، ودفع الشر وتفويته، والجهاد لحماية مصلحة البلاد (الجامعة والأرض) ببذل التفكير والقول والعمل والمال والتضحية بالنفس عند الاقتضاء.                     

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

كلمة للشيخ/ صالح الحصين ،رحمه الله تعالى، في شوال 1433هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه:

منذ أن بدأ ظل الإسلام السياسي يمتد ليشمل رقعة واسعة من الكرة الأرضية تمتد من حدود الصين وحتى جنوب فرنسا ويشمل شعوباً مختلفة وديانات متعددة حافظ المسلمون على سياسة واحدة لم تتغير في أي مكان من العالم الإسلامي ولا في أي فترة من تاريخه حتى سقوط الخلافة العثمانية.

 لقد مُنحت الشعوب والديانات الواقعة تحت السلطان السياسي للمسلمين ليس فقط حق المواطنة أو حرية العبادة أو حماية المعابد بل أعطى أهل الأديان غير الإسلام الحق في أن يكون لهم قوانينهم الخاصة وقضاؤهم الخاص والاحتفاظ بلغاتهم وثقافتهم وتنشئة أطفالهم عليها ومن الناحية القانونية استثنوا من القانون الجنائي العام، بمعيار إن كل ما كان يباح في دينهم فلا يعتبر جريمة في حقهم، وإن كان يعتبر بموجب القانون الجنائي العام جريمة في حق المسلمين، وذلك مثل تصنيع الخمر وتسويقها وشربها، وفرضت جزية بمبلغ بسيط على الأشخاص اللائقين للخدمة العسكرية في نظير حماية المسلمين لهم وإعفائهم من الخدمة في الجيش الإسلامي ولكنهم إذا اشتركوا في الحرب الدفاعية مع المسلمين فيعفون من الجزية  كما يعفى منها غير المؤهلين للقتال  كالنساء والأطفال والعجزة والرهبان.

ظلت هذه السياسة تطبق أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وكان المسلمون يرون أن هذه السياسة لا توجبها تعاليم الإسلام فقط بل يقتضيها العدل والمنطق، كانوا يرونها أمراً طبيعياً فلا يرتفع ضجيجهم كما نسمع الآن من الآخرين  متمدحين بها، ناعين على غيرهم عدم الأخذ بها.

وقد استثنى المسلمون من تطبيق هذه السياسة، ومنذ البداية، رقعة صغيرة من العالم الإسلامي أطلق عليها في الأحاديث الشريفة اسم “جزيرة العرب”  وهو اصطلاح يختلف عن الاصطلاح الجغرافي الحديث، فهو يقتصر على ما حدده الفقهاء، كالإمام الشافعي: “بمكة ومخاليفها، أي توابعها الإدارية في القرون الأولى،  والمدينة ومخاليفها واليمامة ومخاليفها”، وتتضمن هذه الرقعة ما تشمله تقريباً حدود المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر.

فهذه الرقعة من أرض العالم الإسلامي اعتبرت “مركزاً للإسلام” فلم يسمح فيها بالمواطنة أو الإقامة الدائمة لغير مسلم ومن باب أولى لم يسمح بوجود معابد لغير المسلمين  أو مراكز للدعوة  للأديان الأخرى التي هي، في الحقيقة، مناقضة للإسلام .

فمنذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قام الصحابة بتنفيذ هذه الأحكام حسب ما فهموه من  تعبير جزيرة العرب في الأحاديث الشريفة فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم  أوصى عند موته بإخراج المشركين من جزيرة العرب، ويقصد بالمشركين هنا غير المسلمين، كما يدل عليه ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: “أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً”، وإخراج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان”، ولم يفهم الصحابة من اسم جزيرة العرب ما يشمل اليمن الذي قاعدته صنعاء فلم يخرجوا اليهود منه، وبقوا فيه حتى الوقت الحاضر.

قال الشافعي: “ولم أعلم أحداً أجلى أحداً من أهل الذمة من اليمن، وقد كانت بها ذمة”

وقد نفذ الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصيته فلم يبقوا اليهود في خيبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين أبرم عقد المعاملة معهم شرط أن يكون بقاؤهم خياراً للمسلمين، كما لم يبقوا أحداً من النصارى في نجران، وقد اختلف الفقهاء في التبرير الشرعي لذلك وأقرب أقوالهم في ذلك قول من قال: “إنهم كانوا نقضوا العهد”.

وعلى كل فقد وافق أمر القدر أمر الشرع، وعدم السماح بالوجود الدائم للأديان الأخرى في هذه المنطقة ثابت تاريخياً ويشهد للأحاديث فيها حكمت  به من عدم جواز الوجود الدائم لدين غير الإسلام في “مركز الإسلام”، أي الرقعة من الأرض التي تقدم أنها تشمل  تقريباً حدود المملكة العربية السعودية حالياً.

وكما أن السياسة العامة التي  وصفناها في تعايش المسلمين مع اتباع الديانات الأخرى من الخاضعين لسلطتهم، كان يقتضيها الشرع والعدل والمنطق، فكذلك كان استثناء مركز الإسلام ، في السياسة العامة في تعايش الإسلام مع الأديان الأخرى، بمنع الوجود الدائم للأديان المناقضة للإسلام، سواء تمثل هذا الوجود في الأفراد  أو أماكن العبادة أو مراكز الدعوة، أعني كان ذلك مقتضى الشرع والعدل والمنطق، إذ كيف يصح أن يستوطن مركز الإسلام  من يرى ويعلن أن الإسلام دين زائف، وأن القرآن من أساطير الأولين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم غير صادق ولا أمين.

بالإضافة إلى ما سبق فإن الحكم السياسي في مركز الإسلام، كما هو شرعاً  وواقعاً، مرجعه الأعلى النسخة الأصلية للإسلام (أي القرآن والسنة الصحيحة)  فهما الحاكمان     على نظامه الأساس للحكم (الدستور) وعلى كل الأنظمة والتصرفات الواقعة فيه، في حين -وهذا أمر طبيعي – إذ لا يوجد بلد يسمح بالمواطنة فيه لمن يسفه نظامه الأساس للحكم (الدستور) ويدعو للخروج عليه.

إن هذه الخصوصية للمكان أمر يجمع بين المواطنين فيه  ويوجد بينهم أقوى رابطة، وأمتنها، رابطة تستند إلى الشرع والمنطق والواقع التاريخي ولا أتصور وجود رابطة بين المواطنين في أي بلد آخر تشبه هذه الرابطة في قوتها ومتانتها ورسوخها.

 مع الأسف فعندما ضعف سلطان الخلافة العباسية انحل وجود الحكم المركزي لهذه المنطقة ورجع المواطنون فيها إلى حالة بئيسة من التشرذم، والتحارب، ونهب بعضهم بعضاً، أي أنهم رجعوا إلى حالة من فوضى الجاهلية افقدت مواطنيها الأمن من الخوف والاطعام من الجوع.

استمرت هذه الحال البئيسة عدة قرون حتى مَنّ الله على هذه الرقعة من الأرض بالوحدة تحت سلطان حكم مركزي واحد بوجود المملكة العربية السعودية.

والرابطة التي أشرنا إليها لا تستند في قوتها وإحكامها ورسوخها فقط إلى واقعها التاريخي، حيث وجدت منذ أربعة عشر قرناً، بل إلى خلودها وبقائها ما بقي القرآن وما بقي الإسلام.

كل ما سبق يعني بداهة وجوب أن يكون ولاء المواطن المسلم في هذه البقعة من الأرض بهذه الرابطة مقدما على كل ولاء قبلي أو إقليمي أو ولاء آخر مشابه، وأن الإخلال بالولاء لهذه الرابطة هو خيانة للدين والوطن.

والغرابة أن هذه الحقائق البسيطة والتي من المفروض أن لا تغيب عن إدراك الرجل العادي يغيب الوعي بها عن كثير من الناس، حتى من الخاصة المهتمين بالوطنية والوحدة الوطنية، وهذا ما أوجب لكاتب هذه السطور أن يتقدم لوزارة التربية والتعليم باقتراح أن يعنى فريق من المفكرين ذوي الاختصاص بالتربية بإيجاد الوسائل التي تضمن بقاء الوعي بهذه الحقائق البسيطة حاضراً في وعي الناشئة مسيطراً على عقولهم وقلوبهم، ولا أقصد بذلك فقط بناء وتصميم وتدريس مادة “التربية الوطنية”.             

أن من المفترض أن يعني كل مهتم بالإصلاح الوطني بالتوعية بهذه الحقائق حتى يصبح الوعي بها مسيطراً على وعي كل مواطن وقلبه، وأن تدور عليها الشعارات والأفكار والأقوال والأعمال، حتى نضمن أن لا يرجع الوطن إلى ما مر به مرة من حالة التشرذم وفوضى الجاهلية والجوع والخوف.

تنبيه: كتبت هذه الكلمة بهدف قراءتها مع قراءة الورقة المقدمة في لقاء حواري عقد في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لتقدم أفكار واقتراحات لتحديد مفهوم (الوطنية السعودية) وطبعها المركز في رسالة صغيرة تحت عنوان: “اقتراح لصياغة مفهوم للوطنية السعودية“

بواسطة : adminmciars

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.

Channel Site

فيسبوك :: Facebook

Ads